عماد الدين خليل
293
دراسة في السيرة
للهجرة وأمن - بموجبه - جانبها ، ووجد الفرصة سانحة لتوجيه نشاطه صوب الشمال حيث يقبع الخطر اليهودي الذي لا يكف عن التامر والعدوان متمثلا يخيبر والمواقع المجاورة ، وما لبث صلى اللّه عليه وسلم بعد أسابيع من عودته إلى المدينة أن انطلق ( مطلع السنة السابعة ) ، صوب خيبر على رأس حملة استنفر لها الراغبين في الجهاد فحسب دون الغنائم . ذلك أن يهود خيبر كانوا أقوى الطوائف اليهودية بأسا وأعظمها دربة على القتال ، ولذلك وقفت شبه الجزيرة كلها متطلعة إلى هذه الغزوة . وكان كثيرون يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين « 1 » ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدرك أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد وربما حدثت نكسة أعادت لأعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله ، وحالت دون إتمام الوحدة التي يعمل لها النبي ويسعى إليها ، لذلك كان يريد جيشا مؤمنا بأهدافه مقدرا للظروف . . يريد سيوفا تحركها قوة النفس لا جشعها ، وكان جيش محمد كما أراده ، قليلا بعدده كثيرا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم « 2 » . ويذكر المقريزي أن عدد المسلمين الذين توجهوا إلى خيبر كانوا ألفا وأربعمائة مقاتل يصحبهم مائتا فرس « 3 » ، ربما اعتمادا على عددهم يوم الحديبية القريب ، كما أسهم في الخروج عدد من النسوة ، خرجن ليداوين الجرحى وينسجن الملابس ويهيئن الطعام . جعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم هدفه أول الأمر السيطرة على الطريق الواصل بين خيبر وغطفان ليحول بين هؤلاء وبين أن يمدوا حلفاءهم في خيبر . وكان بنو غطفان ، لدى سماعهم بتوجه الرسول إلى خيبر ، قد خرجوا ليساندوا اليهود ضده لقاء نصف ثمار خيبر لذلك العام ، فاضطرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم للعودة إلى ديارهم بعد أن أوهمهم أن هجومه متجه إليهم ، ومن ثم انفرد بخيبر وباغتها فجرا حيث كان أهلوها ورجالها قد خرجوا إلى مزارعهم بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقود جيش المسلمين تمالكهم الخوف ونادوا « محمد والخميس » وهربوا لائذين بحصونهم ، وهيؤوا أنفسهم لحصار طويل ، فنادى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ملقيا مزيدا من الرعب في قلوبهم : « اللّه أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة
--> ( 1 ) انظر ولفنسون : تاريخ اليهود في بلاد العرب ص 162 . ( 2 ) الشريف : مكة المدينة ص 495 - 498 . ( 3 ) إمتاع الأسماع 1 / 327 .